السيد محمد سهل جالو : الصراع الدستوري في غامبيا نظرة في جذور المشكلة

من القضايا الشائكة في أوساط الجماىير الغامبية في الوقت الراهىن قضية التعديل الدستوري،والتي جذبت انتباه القاصي قبل الداني، حيث إن الناظر يجد أن هىذه القضية هىي التي تمثل اللبنة الأساسية الأولى لبناء غامبيا الجديدة (جميورية ثالثة)، واذا صلحت هذه اللبنة وقويت صلح سائر جسد غامبيا، واذا فسدت فسد الجسد كله

وان من نافمة القول، الإلماع بأصالة الاستدمار، عفوا، الاستعمار في مثل هىذه الأزمات، إذ أن المتبصر يرى بأن المستعمر أرسى قواعده المتينة في إفريقيا منذ الوهلة الأولى من أيام احتلال، وأحكم قبضته وسيطرته على الشعوب الإفريقية بواسطة التعميم الأكاديمي الغربي الذي بناه وخلفه في إفريقيا، فكان من نتاج هىذا التعميم الأكاديمي المنبثق من الاستعمار والذي تقبله النخبة التي تلت الاستعمار بقبول حسن، وأولاه اهىتماما بالغا، غير واضعة في الحسبان مآلات وعقبات هىذا التعميم، حيث خلف المستعمر جيل جديد من الأفارقة يتعلم بلغته، ويتشبث
بثقافته، ويتولى قيادة إفريقيا عمى نمط يخدم مصالحه- وهىذا الجيل هو الذي يمثل الأغلبية الساحقة في السلطات والحكومات الإفريقية -ولا يدري هىذا الإفريقي وريث الاستعمار أنه مبرمج لصالح المستعمر فحسب، وذلك حتى يتمكن المستعمر من تنفيذ أجنداته التخريبية في القارة على المدى البعيد، ويضمن بذلك تعزيز بناء وطنه البائس الفقير من خلال استنزاف خيرات أفريقيا بطريقة أو بأخرى

وفي ظل تكاثر المواقف النبيلة والحميدة للشخصيات الإسلامية في غامبيا حول قضية التعديل الدستوري، يجدر بالمستعرب، والباحث الناقد البصير الذي له غيرة واهتمام بالدين، أن يدعم هىذه الحملة الإيجابية بالمساهمة ولو بنزر يسير من بنيات أفكاره، ووجيات نظره تجاه هىذه الأزمة المتفجرة، محاولا في ذلك- قدر الإمكان -توعية الناشئة، لمسعي قدما نحو غلق هذا الباب، وصد هذه النزعة العممانية الاستدمارية، التي أرادت طمس ثقافة غامبيا وهىويتها الأصلية، التي لم تشهد يوما اللادينية في بقاعها منذ بزوغ فجر تاريخيا.

وبالجممة، فإن غرضي في هىذا المقال هىو: إلقاء نظرة فاحصة على ما أعتبره جذور المشكلة لهذا الاحتدام وهذا الصراع فحسب، ومتجاهلا الكلام عن خطورة التعديلات المزمعة إجراءها في دستور غامبيا لاحقا، وذلك نظرا لتكاثر هذا الدور الجميل من قبل الشخصيات الإسلامية، وفي ذلك غنية إن شاء الله . وبالنظر الفاحص إلى خيوط هذه الأزمة المتفجرة وتداعياتها، يتأتي لنا رصد جذور المشكلة وحلولها في ضوء النقاط الآتية

١- ندرة الشخصيات الإسلامية في هيئات التقنين والتشريع:


لا يخفى على شريف علمكم معشر المستعربين من أن هيئات التقنين والتشريع-مجلس التشريع والقضاء -في غامبيا بل وفي إفريقيا عموما- غالبا -تكون خالية من النقابات الدينية والشخصيات الإسلامية، مما جعل كل التشريعات والقوانين بالكاد تصدر بعيدة عن منظار الشرع والدين الإسلامي والصبغة الإفريقية، بل جل النظم والتشريعات غربية المورد، علمانية المصدر، وذلك نتيجة الجهل بالشرع، وغياب الوازع الديني، وخلعة الأفرقانية لدى هىؤلاء
المسؤولين، بالإضافة إلى شدة الضغط والإملاء الخارجي على تِلكم الهيئات، والسلطات المسؤولة عن القيام بهذه المهمة المصيرية لشعوب إفريقيا .

٢ – العقلية السائدة والبرمجة الخاطئة لدى جل المستعربين:


فمما لا ينكره الواقع أن معظم المستعربين في غامبيا تتحّكمهم عقلية برمجة، التي تقول بأنوه لا يليق لدارسي الشريعة الإسلامية الانخراط في سلك السياسة والقيادة الحكومية، وأن السياسة والقيادة منوطة لدارسي لغة المستعمر فحسب، ويجب أن ينحصر دور المستعرب في الإمامة والوعظ والتعليم الديني، ولا يخرج عن جدران المسجد والصعيد الاجتماعي، وقد تناسى هىؤلاء أن الحق جل وعلا قال:(قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين)، وهىذه العقلية– التي لا تَمت إلى أصول الدين الإسلامي بصلة البتة –تمثل التحدي الأولي في عرقلة
تقدم المستعربين ونفوذىم في الصعيد السياسي الحكومي بفّكيه التنفيذي والتشريعي، حتى أدى ذلك إلى ضعف الصوت الإسلامي وعلو كعب العمماني .

٣ – ذهاب هيبة النقابات الدينية في قلوب بعض أجهزة الدولة:

إن مما يبرهنه الواقع المرير، وحال الصراع المحتدم بين السلطات والنقابات الدينية في غامبيا، أنه لا مكانة مهيبة للهيئات الإسلامية والأصول الدينية- المتجذرة في قاع تاريخ هىذه البلاد – في قلوب بعض المسؤولين والسلطات بمختلف مشاربها، وذلك بشهادة الواقع الأليم والتغييرات المأساوية في أرض غامبيا، فأمس كانت القضية في ترخيص بث التلفيزيوني للجماعة الأحمدية والتي بلغت أوج نكيرها لدى النقابات الدينية، ومع ذلك لم يكن من السلطات سوى أن لا تلقي بالاً لما يصدر من الهيئات الدينية الإسلامية من معارضة ومعاكسة بخصوص تِلكم القضية؛ واليوم أيضا اندلعت قضية عظمى أشد وقعا من الأولى: سيكولا استيت ((Secular state ) ونفس السيناريو يتكرر؛ وهىذه الشواهىد دالة على أن الهيئات الإسلامية والممارسات الدينية لأصلية لشعب غامبيا لم تحظ بالهيبة والمكانة اللائقة بها في قلوب ذينكم المسؤولين، والا لََما رفعوا أصواتهم بهذه القضايا في بلد كهذا؛ وقد يكون أن السلطات فعلت ذلك بحجة الإصلاح، لكن (ألا إنهم هىم المفسدون ولكن لا يشعرون) .

٤ – تصّدع صفوف المستعربين، واختلاف وجهات نظرهم تجاه القيادة الدينية :

فإن أكبر مشكلة صحبت المسلمين عموما والمستعربين خصوصا، هو الفرقة وعدم اجتماع كلمتهم، وابائهم تسليم الطاعة للقيادة الدينية، بالإضافة إلى عدم السعي لمساندتهم، – أخذا بمنطق الرسول صلى الله عليه وسلم: (الدين النصيحة، ….ولأئمة المسممين) يعني النصيحة بالطاعة وبتقويم الإعوجاج بأحسن سبيل – مما أحدث خللا وتصدعا في صفوف المستعربين أتاح لبعض السلطات أن تقلبهم كيف شاءت؛ فالقيادة الدينية كالمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، ينبغي أن تسملم لها الطاعة والدعم تحت أي ظرف ما لم يأمروا بمعصية– ولا نخالهم يفعلون ذلك –وذلك حفاظا لتوحيد صف المسلمين وتقويةً لشوكة الإسلام، قال تعالى:(…..ولا تنازعوا فتفشلوا وتهذىب ريحكم .

٥ – غياب التخطيط الاستراتيجي في الهيئات والمؤسسات الإسلامية للبت الجذري عن هذه الألاعيب السخرية:


إن مما يقره لسان حال جل الهيئات الدينية، والمؤسسات الإسلامية في غامبيا، عدم وجود تخطيط وعّدة إستراتيجية عملية شاملة، تقوم بحماية بيضة الإسلام وتقوية شوكتو ومحاربة كل القوى المعادية لو بسلاح العلم والفكر والثقافة لا بسلاح الحس، حيث إّننا الآن في عالم الغزو الفكري والتعتيم الإعلامي. ومن المؤسف جدا أن نرى مؤسساتنا الإسلامية تحيا بعيدة عن هىذا الروح الاستراتيجي، ولا تَْقِدر على إرساء مثل هذه القواعد الأصيلة التي تكمن في صناعة كوادر متصلة بالأصل الإسلامي ومرتبطة بواقعنا المعاش، ولعل هناك أسباب تكمن وراء هذه الوضعية المؤسفة، لكنها مهما تكن فإنها قابلة للعلاج- في نظري -لكن بشيئ من الصعوبة والتحدي المقرونين
بالجرأة والشجاعة.

(*) محمد سهل جالو : باحث في الدراسات الإسلامية، وكاتب في الشؤون الاجتماعية والسياسية والتربوية.
تاريخ الإصدار: 2019/03/10م